قراءة منهجية في أحاديث الخوارج

للشيخ الفاضل الدكتور المحدث أبي أسامة سليم بن عيد الهلالي حفظه الله





(( لقد قام أصل الخوارج على التشكيك في قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها لم يرد بها وجه الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا , فصبر ) .


وقد استدل بها أفراخهم على جواز الإنكار العلني على الحكام , والتهييج الحماسي للعوام بدعوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتله . ولم يسجنه , ولا حذر منه , ولا حقق معه...وزعم بعضهم أن هذا هو المنهج الذي تقوم عليه العلاقة بين العالم والحاكم !.


وهذا الاستدلال _المزعوم_ يدل على أمور :


1- أن منهج الخوارج قديما وحديثا ينبني على غمز الحكام ولمزهم , وتضخيم أخطائهم في نظر العامة , ليوغروا صدورهم فيسعوا في زوالهم أو التآمر عليهم أو السكوت عمن يسعى إلى ذلك , ولذلك جعلوا أصل الإيمان متمثل بقضية التشريع والحكم , وأن الخلل فيها أو النقص الذي يعتريها ناقص لعقد الإسلام , وهادم لأصل التوحيد .


2- فصل العامة عن قيادتهم الصحيحة المتمثلة في أهل العلم الربانيين وتربيتهم على صغار العلم قبل كباره , ولتبلغ رشدها وتستغلظ وتستوي على سوقها , فلا تقع في الاستعجال الذي يصيب دعاته استبدالا أو استئصالا .


ولذلك فقد جمع الخوارج شرين : تضخيم أخطاء الحكام من المسلمين , ولتكفيرهم , والتشكيك في العلماء وتحقيرهم , فطلائع الخوارج شككوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه , وأفراخهم شككوا في أهل العلم وطلابه .


وهذا الاستدلال ليس له صلة بالمسألة المطروقة من وجوه :


1-أن هذا الرجل الذي شكك في قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذرة الخوارج , ومحرك الفتنة , وقد تواترت الأدلة من السنة النبوية على ذم الخوارج , وتفنيذ منهجهم , بينما الاستدلال المزعوم يوهم جواز صنيع ذلك الرجل , أو على الأقل عدم التعرض له , وأن عمله لا يستوجب عقوبة أو ردعا أو منعا .


2-أن الإنكار كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس على المنابر أو في المحاضرات أو الندوات , وبين المنكر إنكارا شرعيا وصاحب الدعوى مفازات تنقطع دونها أعناق الإبل , وتصبح فيها الصيحات الحماسية كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ... وتدبر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر , فأمره , ونهاه , فقتله ) تجد الدليل في واد والدعوى في واد آخر .


وهو استدلال متهافت متهالك لكنه قد يضلل السالك .


3-دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتله باطلة , فقد أمر بقتله , كما في ((مسند أحمد)) (315) من حديث أبي سعيد الخدري : ( وذهب إليه أبوبكر , فرآه يصلي , فكره أن يقتله ) وكذلك فعل عمر _رضي الله عنه_ : ( ولما ذهب إليه علي لم يجده يصلي ) , وهو حديث صحيح , كما قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (69225) , وجود إسناده الحافظ في ((فتح الباري)) (12298) .


4-بل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتلهم , فقال : ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد شر قتلى تحت أديم السماء طوبى لمن قتلهم أو قتلوه ) .


فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتله وحده بل وقتل فروعه وذريته .


5-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر به وبذريته , وفضحهم على رؤوس الأشهاد , و وصفهم بأنهم كلاب أهل النار , فقال : ( الخوارج كلاب أهل النار ) .


6-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جهلهم وسفههم , فقال : ( يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ) , وقال : ( سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان ) .


7-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر من فتنتهم وآثارها , فقال : ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) .


8-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين غلوهم , وأنهم كلما ازدادوا فيها ازدادوا عن الله بعدا , فقال لأصحابه : ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم ) .


9-وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أخي موسى , قد أوذي بأكثر من هذا , فصبر ) فلا يدل على ما ذهبوا إليه من وجوه :


1- أن ما فعله الرجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى , وإلحاق الأذى بالمسلمين حرام , لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) , فكيف إذا كان الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!


2- أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبر وعدم استعجال للعقوبة بالمخالف , ولذلك كان حكم الإسلام في الخوارج عدم البدء بقتالهم أو قتلهم حتى يخرجوا , كما فعل معهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_ فكان يقول : ( لن أبدأهم بقتال حتى يبدؤوا وإنهم فاعلون ) .


هؤلاء هم الخوارج يتعبدون ويتفقهون ويقاتلون لكن على غير سنة , فكانت ثمارهم المرة فتن كقطع الليل المظلم حتى يخرج من أعراضهم الدجال .


نعوذ بالله من الخذلان , وعدم التوفيق والحرمان , ونسأله الثبات حتى الممات على الإسلام والسنة بفهم السلف خير الأمة . )) آمين

من شبكة منهاج الرسول السلفية