عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
(( الساعي على الأرملة والمسكين , كالمجاهد في سبيل الله " وأحسبه قال "
وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر ))
متفق عليه


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على أشرف الأنبياء و
المرسلين سيدنا ونبينا محمد ابن
عبد الله خير من أرسل للعالمين ..
أما بعد:
لا ريب أن اليتيم والمسكين من أحق الناس بالرعاية والعناية، وقد أكثر الرب عز وجل في كتابه العظيم من الحث على الإحسان إليهما ورحمتهما ومواساتهما؛ فجدير بالمؤمن والمؤمنة الإحسان إلى من لديه شيء منهما من أيتام المسلمين وفقرائهم؛ فإن الصدقة في هؤلاء في محلها من الزكاة وغيرها.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وأن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل". السلسلة الصحيحة(906).
وسُئِلَ الإمام مالك: "أي الأعمال تحب؟" فقال: "إدخال السرور على المسلمين، وأنا نَذَرتُ نفسي أُفرِج كُرُبات المسلمين".

ألا وانني مذكراً لإخواني السلفيين في سائر بلاد المسلمين بحال أرامل وأيتام(( شهداء دماج)) فهم ليسوا من أولئِكم الذين يسألون الناس ولاممن يتصورون ويتسولون ويبحثون عن المال ، وليس لهم جمعيات تكفلهم أو منظمات تهتم بهم أو حقوقيات تسأل عنهم ،أو قنوات تعرض مأساتهم ومعاناتهم ، ولا أحزاب تتاجر بقضيتهم ، ولا ممثلون لهم في البرلمان أو الحوار الوطني يطرحون مأساتهم.
فحسبهم الله ونعم الوكيل
فالموفق حقاً هو من وفق للقيام بهذه الأعمال واستعمل ماله في مصالح نفسه وأهله المشروعة وكفالة الأيتام والسعي على الأرامل والمساكين وسد الخلات والسعي على ذوي الحاجات


قال الامام البخاري رحمه الله
بَاب السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

بَاب السَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ
الأرملة : المرأة التي مات عنها زوجها.
القائم : في الصلاة مجتهداً.
لا يفتر: لا يذهب فينقطع عن ملازمة العبادة.
السعي على الأرملة والمسكين واليتيم والإنفاق عليهما والقيام على أمورهما جهادٌ في سبيل الله . فعليك أخي في هذه الأعمال إذا استصحبت معها النية الصالحة تكون عبادة.

(( " السَّاعي ": الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملةَ والمسكين. "فتح".
" على الأرملةِ ": قال النَّووي (18/112): "الأرملة: مَن لا زوج لها، سواء كانت تزوجتْ أم لا. وقيل: هي التي فارقت زوجَها، قال ابنُ قُتيبة: سُمِّيت (أرملةً)؛ لما يَحصل لها مِن الإرمال؛ وهو: الفقر وذهاب الزَّاد بفقد الزَّوج، يقال: أرمل الرجل؛ إذا فَني زادُه ".
" والمساكين ": جمعُ مسكين؛ وهو الذي لا شيءَ له، وقيل: هو الذي له بعض الشَّيء، وقد تقع المسكنةُ على الضَّعف.
وكلمة المسكين والمَسكنة والتَّمسكُن: يدور معناها على الخُضوع والذِّلة وقِلَّة المال والحال السَّيِّئة. وانظر "النِّهاية".
" كالمُجاهِدين في سبيل الله ": في "صحيح المصنِّف" [يعني: البخاري] (5353) و"صحيح مسلم" (2982): " كالمُجاهِد في سبيل الله ".
" وكالذي يصومُ النَّهار ويقومُ الليل ": في "صحيح المصنِّف" (6007)، و"صحيح مسلم" (2982) وأحسبه قال -يشك القعنبي-: " كالقائمِ لا يَفتر، وكالصَّائم لا يُفطر ".

وفي الحديث:
فضل مَن يعولُ يتيمًا، ويسعى على الأرملةِ والمسكين، وأنَّه كالمجاهِد في سبيل الله، وكصائم النهار، وقائم الليل.
فيا مَن طمِعتَ بِجنَّة عرضُها السَّماوات والأرض؛ هذا -واللهِ- هو السَّبيل، وأيُّ سبيل أعظم مِن أن تكونَ كالمُجاهِدين، وكمَن صام النَّهار، وقام الليل!
وفي الحديث:
منزلة المُجاهِد عند الله -تَعالَى-، وأنَّه أعلى مرتبةً من السَّاعي على الأرملة والمسكين، وصائم النَّهار وقائم الليل؛ لأن المُشبَّه دون المشبَّه به )).

نقلًا مِن: "شرح صحيح الأدب المفرد" (1/162-163).

* الفوائــد:
1- فضل السعي على المرأة الأرملة ، وكذلك على المسكين.

2- السعي على الأرملة واليتيم والإنفاق عليهما والقيام على أمورهما ، جهاد في سبيل الله.

3- من فضل السعي على الأرملة والمسكين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالمداوم طوال الليل على القيام ، وبالصائم الذي لا يفطر وهذا المقصود فيه المبالغة.

4- فضل الجهاد في سبيل الله.

5- أن الجهاد أنواع ، فمنه الجهاد بالنفس ، ومنه الجهاد بالمال ، ومنه الجهاد بالكلمة.

6- ينبغي للمحسن أن يحسن على المحتاجين ، لقوله: ( الساعي ... ). وهذا يدل على حرصه على الإحسان والإنفاق.


شرح حديث(الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد...) من رياض الصالحين للعثيمين رحمه الله

عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله )) وأحسبه قال : (( وكالقائم الذي لا يفتر ، وكالصائم الذي لا يفطر )) متفق عليه (59)
الـشـرح
ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الباب : باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم ، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله )) وأحسبه قال : (( وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر ))، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم .
والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً ، والمساكين هم الفقراء ؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم ، على العائلة الذين لا يكتسبون ، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين ، فيكون مستحقاً لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله ، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر .
وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يميناً وشمالاً ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء ، ولا يكون لهم عائل فيضيعون ؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك ، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضاً ، بدون أن يكون هناك ضرورة ، ولكن شيء في نفوسهم ، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم .
وهذا ظن خطأ ، فإن بقاءهم في أهلهم ، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث ، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم بنصيحتهم وإرشادهم ، ولهذا قال الله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [الشعراء:214] ، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد.
أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يوماً أو يومين أو ما أشبه ذلك ، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره وهو على خير

لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر ، أو خمسة أشهر ، أو سنة ـ عن عوائلهم ؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم ، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله عز وجل .
وقد قال النبي عليه الصلاة و السلام : (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) (60) فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور ، ويحسب لها ، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها ، حتى يقوم بما يجب عليه .
للشيخ العثيمين
----------------------------
(59) رواه البخاري ، كتاب النفقات ، باب فضل النفقة على الأهل ، رقم ( 5353 ) ، ومسلم ، كتاب الزهد والرقائق ، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين ، رقم ( 2982 ) .
(60) رواه البخاري ، كتاب العلم ، باب من يرد الله خيراً . . . ، رقم ( 71 ) ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب النهي عن المسألة ، رقم ( 1037 ) [ 175 ] .

أبو الخطاب فؤاد السنحاني