بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة للشيخ العلامة
يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله تعالى


بعنـــــــــــــوان:

النصر مع الصبر
وكانت في يوم
السابع من ذي القعدة لعام 1434 هـ

للإستماع لها من موقع الشيخ حفظه الله تعالى:

من هنـــا

ومن المكنز العلمي لشبكة سبل السلام السلفية:

من هنــــا



تفريغ الخطبة:

الخطبة الأولى:



الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران:102].

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [سورة الأحزاب]
أما بعد،،،
فأصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسوله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.

أيها الناس،،،
ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبها الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف)) [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني والوادعي]. وعند اأحمد زيادة: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)). وفيه أيضاً: ((واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع].

والحديث فيه فوائد عظيمة، وهو تعليم نبوي لابن عباس رضي الله عنه ولغيره من الأمة يشتمل على العناية بتعليم العقيدة وبمراقبة الله سبحانه وتعالى والثقة به والإيمان بالقدر والتوكل على الله عز وجل، وعدم الركون إلى المخلوقين بذاتهم من غير الله سبحانه وتعالى، وأن ما أعطى الله عز وجل أحداً لم يكن لمنعه، وما منع الله عز وجل لم يكن ليعطيه. وغير ذلك من الفوائد.

غير أن الشاهد منه في هذا الوقت والموضوع هو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا))..

لا شك أن النصر محبوب إلى القلوب، كما قال الله عز وجل: ((وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)) سورة الصف:13.

ولكن النصر مع الصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله، ومصابرة الأعداء. هذه مادته. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبيناً قصة الملك طالوت. هذا الملك قصته عظيمة في سورة البقرة، وهي أنه اختبر صبر قومه عند أن غزا بهم، وكانوا عدداً كثيراً، فمن صبر منهم معه فإنه سار به، ومن لم يصبر معه فإنه رجع ولم يحتج إلى سفره معه، وإلى غزوه معه.

قال الله سبحانه : ((فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي...)) أي ليس معي ولا يصحبني ((وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ..)) وكانت لهم حاجة إلى الماء فلم يصبروا على تلك البلوى، فالذين لم يصبروا وشربوا من ذلك النهر رجعوا كلهم، والذين صبروا معه على ذلك الإبتلاء وعلى شرب الماء ذهبوا وخرجوا من النهر معه، نجوا من النهر معه وغزوا معه ((..فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ)). جاء في صحيح البخاري أن الذين بقوا معه على عدة أصحاب بدر ثلاثمائة وسبعة عشر، فقط من الجيش العرمرم الذي كان معه جميعاً، رجع كل من لم يصبر وبقي معه الصابرون ((..فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ..)) من الصابرين ((قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ)) أمة كثيرة جالوت رجل كافر وله أمة كثيرة، له جيش عرمرم وهؤلاء على عدة أصحاب بدر نحو الثلاثمائة وسبعة عشر ((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ)) قام فيهم الخطباء، قام فيهم الوعاظ، سواء الملك المذكور أو من كان معه من الصالحين ومن المحرضين بالعلم والدين ((وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ..)) [سورة النساء:84]. وهذه سياسة مهمة وأمر مهم وهو قيام الخطباء وقيام الوعاظ وقيام الدعاة بتثبيت المؤمنين ((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ )) سورة الأنفال:12. فإن مادة ذلك هو الثبات والصبر على طاعة الله. قام فيهم المؤمنين، ((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) )) سورة البقرة. فأبانوا لهم أن النصر ليس مصدره الكثرة، وليس مصدره قوة، قوة يدوية وقوة مالية، ولكنه مصدره هو الصبر، وهو النصر من عند الله سبحانه وتعالى.

((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) )) قال الله مبيناً نصرهم ((وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ..)) هذا العدد اليسير برزوا لجيش عرمرم لجيش جالوت ودعوا الله عز وجل أن يفرغ عليهم الصبر. ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) )).

قال الله: ((فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) )) سورة البقرة.

أي لولا أن الله يدفع بالصالحين شر الكافرين والمنافقين لفسدت الأرض، ولكنه يدفع بالعدد القليل الشر الكثير، سواء في ساحات القتال مع أعداء الله المجرمين أو في ساحات الرد أو في ساحات العلم.. أو في أي مجال من مجالات دين الله عز وجل.

فإن العدد القليل يهزم العدد الكثير، الذي لا صلة له بالله سبحانه وتعالى.

شاهدنا ما دل عليه حديث ابن عباس ((واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا))..

وعلى ذلك سار أنبياء الله فيبعث النبي وحده في أمة كثيرة، مجرمة، كافرة مشركة، كلها ضده. كلها تقف في وجهه. لا يعرفون له قدراً. ولا يجدون له منزلةً وذكراً. ومع ذلك يصبر، كما قال الله عز وجل عنهم وتكون العاقبة لهم وينصرون، قال الله : ((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ)) [سورة الأنعام:34].

وهذه الآية أصلٌ أصيل في أن سنة الله الجارية على هذا. ((وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34))) .

فسائر المرسلين على هذا الشأن، ما منهم إلا ويؤذى، وتكون له العاقبة ويصبر، وصفهم الله بقوله : ((وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) )) [سورة إبراهيم].

هكذا وصفهم الله أنهم يصبرون على الأذى حتى ينصروا، فيستمر الإنسان صابراً وهذه حكمة الله عز وجل ولو شاء لنصرهم من أول وهلة، ولكن اقتضت حكمة الله أن يبتلي العباد، فيبتلي صبرهم وثباتهم، فمن علمه أهلاً لأن ينصر، وأهلاً لأن يمكن، مكنه. ومن علمه غير صبور على طاعة الله فلله فيه حكمة.

ولهذا قال الله عز وجل لنبيه: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) )) [سورة المدثر].

أي لعبادته وطاعته ولما خولك له سواء في صلاة وقيام وعبادة أو في ملاقاة العدو أو غير ذلك. ((وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)) كلها عبادة. ((رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) )) [سورة مريم].

وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى : ((فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) )) [سورة المعارج].

هذه حكمة الله، هذه سنة الله في خلقه، قال الله سبحانه وتعالى : ((وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) )) [سورة يونس].

هذا هو مادة النصر والفلاح، الصبر كما قال الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) )) [سورة آل عمران].

هذه هي مادة العزم والقوة، لا الكثرة، لا العَدَد والعُدَد، الصبر على طاعة الله هو مادة النصر على الشيطان ومن دونه، وهو النور الذي يستنير به الإنسان في محالك الظلمات والشدائد المهلكات، يجد من الصبر نوراً بإذن الله. كما في الصحيح: ((الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) [رواه مسلم].

يستنير به الإنسان، فلا تعجل، لا تعجل بل اصبر أيها المسلم، واعلم أن الصبر سبب المكنة، قد أوصى الله به أنبيائه، ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) )) [سورة الأحقاف].

فقد يحصل من الإنسان، تكون عنده شجاعة، يكون عنده مال، يكون عنده قدرة، يكون فيه كثرة، لكن يتخلف في ذلك بعض الصبر، فيحصل له الهزيمة والضعف، ويحصل له كذلك أيضاً يتمكن منه الشيطان، يتمكن منه عدوه، لعدم صبره، فإذا صبر عند الناس مثل وله أصل أصيل "من صبر قدر". وعلى ذلك يدل حديث ابن عباس المذكور.

إن الصبر رحمة من الله على العبد إذا مكن الله عبداً منه فإنه عون ورحمة، قال الله سبحانه وتعالى : ((وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) )) [سورة البقرة].

وعند الناس مثل أيضاً "الشجاعة صبر ساعة". في حالات يضعف فيها الناس ويشتد صبر الإنسان، هذا هو الحزم والقوة. ((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) [متفق عليه]. أخرجاه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والله سبحانه وتعالى يقول: ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186) )) [سورة آل عمران].

اشتكى قوم موسى على موسى ما يحصل لهم من الأذى فما كان وصيته لهم إلا بملازمة الصبر الذي كان عاقبة ذلك تمكينهم ((قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) )). ((قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) )) سورة الأعراف.

وكان بعد ذلك أن بين الله عز وجل نصرهم.

((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ )) وتأمل كلمة بما صبروا، أي بصبرهم على الأذى، صبرهم على الإبتلاء، صبرهم على لقاء الأعداء، ((فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ))[سورة الأعراف:137].

سواء ما كانوا يصنعون أوما كانوا يعرشون من الممالك والثراء وغير ذلك من الأطعمة. كلها دمره الله عز وجل، بسبب ما آتى الله موسى وأصحابه ومن معه وقومه من الصبر.

ولهذا ((قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) )) [سورة المائدة].

هكذا كان توصية نبيهم بالصبر. وتعلمون حديث صهيب في صحيح مسلم في قصة ذلك الرجل، الذي كان عاقبة صبره على ذلك البلاء وعلى ذلك الأذى، أن مكن الله لدعوته في الأرض.

قصة الغلام الذي كان يتعلم عند الساحر. في صحيح مسلم : (( كان ملكٌ فيمن كان قبلكم . وكان لهُ ساحرٌ . فلما كبرَ قال للملكِ : إني قد كبرتُ . فابعث إليَّ غلامًا أُعلِّمُه السحرَ . فبعث إليهِ غلامًا يُعلِّمُه . فكان في طريقِه ، إذا سلك ، راهبٌ . فقعد إليهِ وسمع كلامَه . فأعجبَه . فكان إذا أتى الساحرَ مرَّ بالراهبِ وقعد إليهِ . فإذا أتى الساحرَ ضربَه . فشكا ذلك إلى الراهبِ . فقال : إذا خشيتَ الساحرَ فقل : حبسني أهلي . وإذا خشيتَ أهلك فقل : حبسني الساحرُ . فبينما هو كذلك إذ أتى على دابةٍ عظيمةٍ قد حبستِ الناسَ . فقال : اليومَ أعلمُ آلساحرُ أفضلُ أم الراهبُ أفضلُ ؟ فأخذ حجرًا فقال : اللهم ! إن كان أمرُ الراهبِ أحبُّ إليك من أمرِ الساحرِ فاقتل هذهِ الدابةَ . حتى يمضي الناسُ . فرماها فقتلها ومضى الناسُ . فأتى الراهبَ فأخبرَه . فقال لهُ الراهبُ : أي بنيَّ ! أنت ، اليوم ، أفضلُ مني . قد بلغ من أمرك ما أرى . وإنك ستُبتلى . فإن ابتُليتَ فلا تَدُلَّ عليَّ . وكان الغلامُ يُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ ويُداوي الناسَ من سائرِ الأدواءِ . فسمع جليسٌ للملكِ كان قد عمي . فأتاهُ بهدايا كثيرةٍ . فقال : ما ههنا لكَ أجمعُ ، إن أنتَ شفيتني . فقال : إني لا أشفي أحدًا . إنما يشفي اللهُ . فإن أنت آمنتَ باللهِ دعوتُ اللهَ فشفاكَ . فآمنَ باللهِ . فشفاهُ اللهُ . فأتى الملكُ فجلس إليهِ كما كان يجلسُ . فقال لهُ الملكُ : من ردَّ عليك بصرك ؟ قال : ربي . قال : ولك ربٌّ غيري ؟ قال : ربي وربك اللهُ . فأخذَه فلم يزل يُعذبْه حتى دَلَّ على الغلامِ . فجئَ بالغلامِ . فقال لهُ الملكُ : أي بنيَّ ! قد بلغ من سحركَ ما تُبرئُ الأكمهَ والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ . فقال : إني لا أشفي أحدًا . إنما يشفي اللهُ . فأخذَه فلم يزل يعذبْه حتى دلَّ على الراهبِ . فجئ بالراهبِ . فقيل لهُ : ارجع عن دينك . فأبى . فدعا بالمئشارِ . فوُضع المئشارُ على مفرقِ رأسِه . فشقَّه حتى وقع شِقَّاه . ثم جئ بجليسِ الملكِ فقيل لهُ : ارجع عن دينك . فأبى . فوُضعَ المئشارُ في مفرقِ رأسِه . فشقَّهُ بهِ حتى وقع شِقَّاهُ . ثم جئ بالغلامِ فقيل لهُ : ارجع عن دينك . فأبى . فدفعَه إلى نفرٍ من أصحابِه فقال : اذهبوا بهِ إلى جبلِ كذا وكذا . فاصعدوا بهِ الجبلَ . فإذا بلغتم ذروتَه ، فإن رجع عن دينِه ، وإلا فاطرحوهُ . فذهبوا بهِ فصعدوا بهِ الجبلَ . فقال : اللهم ! اكفنيهم بما شئتَ . فرجف بهم الجبلُ فسقطوا . وجاء يمشي إلى الملكِ . فقال لهُ الملكُ : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم اللهُ . فدفعَه إلى نفرٍ من أصحابِه فقال : اذهبوا بهِ فاحملوهُ في قرقورٍ ، فتوسَّطوا بهِ البحرَ . فإن رجع عن دينِه وإلا فاقذفوهُ . فذهبوا بهِ . فقال : اللهم ! اكفنيهم بما شئتَ . فانكفأت بهم السفينةُ فغرقوا . وجاء يمشي إلى الملكِ . فقال لهُ الملكُ : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم اللهُ . فقال للملكِ : إنك لستَ بقاتلي حتى تفعلَ ما آمرك بهِ . قال : وما هو ؟ قال : تجمعُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ . وتُصلبني على جذعٍ . ثم خذ سهمًا من كنانتي . ثم ضعِ السهمَ في كبدِ القوسِ . ثم قل : باسمِ اللهِ ، ربِّ الغلامِ . ثم ارمني . فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناسَ في صعيدٍ واحدٍ . وصلبَه على جذعٍ . ثم أخذ سهمًا من كنانتِه . ثم وضع السهمَ في كبدِ القوسِ ثم قال : باسمِ اللهِ ، ربِّ الغلامِ . ثم رماهُ فوقع السهمُ في صدغِه . فوضع يدَه في صدغِه في موضعِ السهمِ . فمات . فقال الناسُ : آمنَّا بربِّ الغلامِ . آمنَّا بربِّ الغلامِ . آمنَّا بربِّ الغلامِ . فأتى الملكُ فقيل لهُ : أرأيتَ ما كنت تحذرُ ؟ قد ، واللهِ ! نزل بك حذرك . قد آمنَ الناسُ فأمر بالأخدودِ في أفواهِ السككِ فخُدَّت . وأُضرمَ النيرانُ . وقال : من لم يرجع عن دينِه فأحموهُ فيها . أو قيل له : اقتحم . ففعلوا حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها فتقاعست أن تقعَ فيها . فقال لها الغلامُ : يا أمه ! اصبري . فإنكِ على الحقِّ )) [رواه مسلم].

وخُدَّت لهم الأخاديد، ((وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) )) [سورة البروج].

معروف ذلك في سورة البروج.

الشاهد من ذلك، عاقبة الصبر حميدة. عاقبة الصبر حميدة.

((وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) )) سورة الشورى.

فهو نصر من الله سبحانه ويعتبر أيضاً تمكين من الله سبحانه، فما مكن الله لدينه في أرضه إلا بأخذ هذا السبب العظيم على ما بينته الأدلة.




الخطبة الثانية:



الحمدلله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ومصطفاه عليه صلاته وسلامه إلى يوم نلقاه.

أما بعد،،،
يقول الله عز وجل: ((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) )) [سورة البقرة].

فأبان أن من صبر في حالة الشدائد أنها تتنزل عليه رحمة الله وصلوات الله عز وجل وثناؤه عليه، وأنه مهتدٍ وأنه موفق.

هذا باب الرحمة أيها الناس!!

هذا بابٌ يقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً أنه شأن المؤمن، واصفاً أنه شأن المؤمن: ((عجبًا لأمرِ المؤمنِ . إن أمرَه كلَّه خيرٌ . وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ . إن أصابته سراءُ شكرَ . فكان خيرًا له . وإن أصابته ضراءُ صبر . فكان خيرًا له)) [رواه مسلم].

ففي جميع حالاته هو ملازمٌ للصبر، في حالة الصبر، أيضاً يحتاج إلى صبر على تلك السراء والنعمة، فيؤديها كما أمر الله ويؤدي فيها أمر الله، ويقيم فيها شرع الله ودين الله. ويحافظ فيها على طاعة الله. وفي حالة الضراء يحتاج إلى صبر.

((..وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) )) [سورة الفرقان].

فكل ذلك يجري بحكمة الله سبحانه وتعالى.

أيها الناس،،،

في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يتصبر يصبره ...)) [متفق عليه].

فما أحد صبر إلا ومكنه الله سبحانه وصبره وزاده من خيره، ((ومن يستعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر)) [متفق عليه].

فكل عطاء تعطاه هو بالصبر، ما أعطيتك من عطاء لا شك أنه بالصبر، الصبر يدفع الله به عز وجل عنك المصائب، يدفع الله به عنك الذنوب، وهكذا أيضاً تجلب به الطاعات، تقيم به دين الله، تصبر به على البلاء، تصبر به على الأذى. السراء والضراء. كما هو مذكور شأن المؤمن ذكر في هذه الآية.

وعلى المسلم أن يكون مع الحق ومع أهله، صابراً على ذلك.

((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) )) [سورة الكهف].

وهكذا يقول الله عز وجل، دلت الآية المذكور التي ستذكر على ما دلت عليه الآية والحديث الأول : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) )) [سورة الأنفال].

فمعية الله الخاصة، مع من صبر على طاعة الله، ومن كان الله معه من الذي يستطيع أن يخذله؟!

من الذي يستطيع له؟!

من الذي يستطيع أن يهزمه؟!

من كان الله معه.

فهو ناصره ومؤيده ومدافع عنه.

((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) )) سورة الحج.

((اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) )) [سورة البقرة].

لازم ذلك أيها المسلم فإن هذا مادة النصر على الشيطان، وعلى النفس الأمارة بالسوء وعلى أعدائك الأقارب والأباعد، كل ذلك لا يتحقق لك، إلا أن تلازم فيه تقوى الله عز وجل والصبر على طاعته.

((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ و...)) [سورة النحل].

أي لا يكون صبرك إلا من الله وبالإستعانة به، كما قال الله سبحانه : ((وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) ))

((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) ))) [سورة النحل].

نسأل الله عز وجل أن يدفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.



****والحمدلله رب العالمين****


قام بالتفريغ: أبو عمر شريف الشعبي اللحجي
غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين
من شبكة سبل السلام السلفية