بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة للشيخ العلامة
يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله تعالى


بعنـــــــــــــوان:

من أضرار الجزع
وكانت في يوم
21 ذي القعدة لعام 1434 هـ

للإستماع لها من موقع الشيخ حفظه الله تعالى:

من هنـــا

ومن المكنز العلمي لشبكة سبل السلام السلفية:

من هنــــا



تفريغ الخطبة:

الخطبة الأولى:



الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [سورة الأحزاب]
أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسوله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.


أيها الناس،،،
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ((مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) )) [سورة الحديد].

هذه الآية العظيمة اشتملت على معاني بديعة، ومن تلك المعاني أن ما أصاب من مصيبة في الأرض في أي مكان منها، وأي حال من أحوالها من خير أو شر، أن ذلك في كتاب الله عز وجل . وما أصاب من مصيبة في نفس من الأنفس، سواء كانت تلك النفس مؤمنة أو كانت كافرة. ((وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ)) من خيرٍ أو شر، أو قليل أو كثير، أو صغير أو كبير يصاب به ذلك الشخص وتلك النفس. ((إِلَّا فِي كِتَابٍ)) كل ذلك في كتاب الله، في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.


هذه الأمور الدقيقة والجليلة كلها في كتاب الله من قبل أن يبرأ الله الكون وأن يوجده ويبرأ تلك الأنفس، ومن قبل أن يخلق تلك المصائب، من قبل خلق الخلق، بشتى أنواعهم وأصنافهم. ((مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) أي هذا التكوين وهذا الخلق، هذا علم الله سبحانه وتعالى ويسير عليه سبحانه وتعالى، ثم أمر وأبان أنه لا يكون ذلك مؤسياً، ((لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) هذا التعليل حتى لا تأسوا على ما فات، حتى لا تحزنوا على ما فات. حتى لا تضجروا وتجزعوا مما فاتكم مما أنتم مما أنتم تقصدونه وتطلبونه أو نصر، أو ملك أو جاه، أو عافية، وسلامة من الأمراض، أو غير ذلك مما أنت تقصده، وفاتك هذا الشيء، لا تجزع، ولا تحزن.

((لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)) وفي الجانب الآخر إذا أعطاك الله شيئاً لا تبطر فإن الفرح هنا المنهي عليه : ((وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)) أي لا يحملكم ذلك على البطر فإن ذلك في علم الله سبحانه وتعالى، فأعطى من أعطى، ومنع من منع، وأكرم من أكرم، وحرم من حرم، وهدى من هدى، وأضل من أضل، وأفقر من أفقر، كل ذلك في كتاب الله وفي علمه، وكل ذلك بقدره، ((لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)).

هذه الآية تضمنت الحذر والتحذير من الجزع في حالة المصائب، وأن الإنسان يزن أموره بميزان الشرع، ففي حالة النعمة وفي حالة الرغد والأمن، يبقى ذلك في ميزان الشرع، لا يحمله ذلك على البطر، وفي حالة الضر والمرض والسقم، والخوف والشدائد والفتن، لا يحمله ذلك على الجزع. حتى ينقطع عن الخير، فإن الجزع من جوانب الإنقطاع، الجزع معناه الإنقطاع في اللغة. وهو متولد من الخوف أي من الحزن، ومن الجبن. يتولد من أمرين، يسبب ذلك الإنقطاع عن الخير والعمل الذي كان يقصده، ومن هذا الباب، ما يصاب به من يصيب دماً حراماً كما ثبت عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما فإذا أصاب دما حراما بلح)) [رواه أبو داود وصححه الألباني]. ومعنى بلح أي انقطع. يسبب ذلك الدم الحرام الجزع واليأس ربما، وعدم الإستمرار في الخير، فينقطع عن العمل فيكون ذلك من غضب الله سبحانه وتعالى ونقمته منه.

أيها الناس،،،
إن مما يسير عليه المؤمن لهو أمر الرضا بالله سبحانه وتعالى وعن الله، الرضا بالله، وعن الله، هذا يوفر عليك كثيراً. ويجلب لك خيراً كثيراً، فإن الله عز وجل جعل الجزاء من جنس العمل في آيات كثيرة، ومن ذلك قول الله سبحانه : ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)) [سورة البينة:7]. أي خير المخلوقات. المؤمنون والذين يعملون الصالحات مع إيمانهم هؤلاء خير المخلوقات، خير من على وجه الأرض، خير من خلق الله سبحانه وتعالى، ((جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..)) [سورة البينة:8]. فلما رضوا عن ربهم سبحانه، وعن قضائه وقدرهن وعن عطائه ومنعه، عطاء من أعطى، ومنع من منع، رضوا الله سبحانه وتعالى، في كل ما بالرضا عنه، ((رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)) فمن رضي عن الله سبحانه رضي الله عنه، ومن سخط سخط الله عليه.

كما ثبت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)) [رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني].

وجاء بلفظ آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع)) [رواه أحمد وصححه الألباني].

أي إذا جزع يصاب بالجزع أكثر حتى ربما بعضهم قتل نفسه لشدة الجزع من ألم أو مرض أو فقر أو عرض أو غير ذلك مما يبتلى به الناس فلا يتحمل ولا يصبر ولا يكل الأمور إلى الله سبحانه وتعالى ولا تكون له به ثقة ولا عليه كبير توكل، وعنده من ضعف الإيمان ما يحمله إلى أن ينتحر.

وقد ثبت من حديث جندب بن عبدالله رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) [متفق عليه].

فجزع، كان تحريم الجنة على هذا الشخص، وكان أيضاً إدخاله الوعيد المترتب على ذلك، كل ذلك بسبب ما حصل له من الجزع وعدم الصبر.

أيها المسلم،،،
قابل ما تصاب به من أمراض أو أعراض أو ما أراده الله عز وجل وكان في كتابه بعدم الجزع، بالثقة بالله، بالصبر، بالتوكل على الله، ((وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) )) [سورة آل عمران].

فأثنى الله سبحانه وتعالى لما قابلوا تلك الأمور بالقوة وبالعزم وبعدم الجزع وبعدم الضعف، ((فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ )). ما حصل لهم جزعوا. الذي يقطعهم عن الخير.


((وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)).

وهكذا ثبت من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه : أن رسولَ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ الْتَقَى هو والمشرِكون فاقْتَتَلوا ، فلما مالَ رسولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ إلى عَسكرِهِ ومالَ الآخرون إلى عسكرِهِم ، وفي أصحابِ رسولِ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتَّبَعَها يَضربُها بسيْفِهِ ، فقيل : ما أجْزَأَ منا اليومَ أحدٌ كما أجْزَأَ فلانٌ ، فقال رسولُ اللهِ_صلى الله عليه وسلم _: ( أمَا إنه مِن أهلِ النارِ ) , فقال رجلٌ مِنَ القومِ : أنا صاحِبُه ، قال : فخرَجَ معه كلما وقَفَ وقَفَ معه ، وإذا أسرعَ أسرعَ معه ، قال : فجُرِحَ الرجلُ جُرحًا شديدًا ، فاستعجلَ الموتَ ، فوضعسيفَهُ بالأرضِ وذِبابَهُ بين ثدْيَيْهِ ، ثم تَحامَلَ على سيفهِ فقتَلَ نفسَه ، فخرَج الرجلُ إلى رسولِ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ فقال : أشْهدُ أنَّك رسولُ اللهِ ، قال : ( وما ذاكَ؟ ) . قال : الرجلُ الذي ذَكَرتَ آنِفًا أنه مِن أهلِ النارِ ، فأَعْظَمَ الناسُ ذلك ، فقلتُ : أنا لكم به ، فخرَجْتُ في طلَبِه، ثم جُرِحَ جُرحًا شديداً ، فاستَعجلَ الموتَ ، فوضعَ سيفَه في الأرضِ وذبابَه بين ثدييه ، ثم تحاملَ عليه فقتَلَ نفسَه . فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ((إن الرجلَ لَيعملُ عملَ أهلِ الجنةِ ؛ فيما يبدو للناسِ ، وهو مِن أهلِ النارِ ، إن الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ النارِ ، فيما يبدو للناسِ ، وهو مِن أهلِ الجنةِ)) [رواه البخاري].

هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الرجل من أهل النار، وذلك الذي حمله عليه كله عدم الصبر، والجزع على ما حصل له. كما جاء في تلك الرواية التي قبل هذه. نظيرها.

إن الجزع أيها الناس ليحمل على عدم العفة، وعلى عدم الصيانة، وعلى عدم الثبات، وعلى أمور تضر الإنسان ولهذا كان الجزع مكروهاً حتى في الجاهلية، مبغوضاً. أبو طالب حين أحتضر أتاه النبي صلى الله عليه وسلم : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)) ونزلت ((إنك لا تهدي من أحببت)).

فهو يخاف أن يوصف بالجزع، يخشى أن يوصف بالجزع، في حال احتضاره وأن يصفونه بأنه ما صبر، إلى آخر ذلك لما لم يوفق له. ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )) [سورة القصص:56].

فكان الدافع لأبي طالب في ذلك الحال أنه لا يقول الناس أنني ما صبرت، إضافة إلى ما جاء في الحديث الآخر، أنه على ملة عبدالمطلب. فاجتمع عنده التعصب لملة قومه واجتمع عنده أيضاً لا يشمت به قومه من الجاهلية ويقولون جبن أو ضعف أو جزع عند موته فما صبر على ما هو عليه إلى آخر ذلك. هذا إنما ذكرناه مع أني ما وفق للإسلام إنما ذكرناه لبيان أن الجزع مذموم مكروه عند الأمة قديمها وحديثها في الجاهلية والإسلام.





الخطبة الثانية:


الحمدلله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً أما بعد.

في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه: أنَّ الرسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُتِيَ بمالٍ، أو بسَبيٍ، فقسَّمه، فأعطى رِجالًا وترَك رِجالًا، فبلَغه أن الذينَ ترَك عتَبوا، فحمِد اللهَ ثم أثنى عليه، ثم قال : أما بعدُ، فواللهِ إني لأُعطي الرجالَ وأدَعُ الرجالَ، والذي أدَعُ أحبُّ إليَّ منَ الذي أُعطي، ولكن أُعطي أقوامًا لما أرى في قلوبِهم منَ الجَزَعِ والهَلَعِ، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعَل اللهُ في قلوبِهم منَ الغِنى والخيرِ، فيهم عمرو بنُ تَغلِبْ . فواللهِ ما أُحِبُّ أنَّ لي بكلمةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُمْرَ النَّعَمِ .

أي أن هذا أحب إلي من حمر النعم، من الإبل الحمراء، أن وصف أن قلبه فيه قناعة وخير، والله سبحانه وتعالى، استثنى المصلين، من هذه الصفة المكروهة، المذمومة.

((إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) )) [سورة المعارج].

فأثنى على أهل هذه الصفات فكان من علاج الجزع هو الإقبال على طاعة الله، من صلاة وذكر ودعاء، سواء كان ذلك أمام الأعداء أو أمام الشيطان، أو تجاه الفقر، أو تجاه الجوع والعذاب والأمراض والأسقام، فإذا قابل الإنسان ذلك بذكر الله، زال عنه ما يجد من تلك الوساوس الجزعية الشيطانية، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ((قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) )) [سورة المائدة].

وأمر في حالة لقاء العدو بكثر ذكر الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) )) [سورة الأنفال]. أي يذهب ما بكم من الجزع ومن التوقعات التي قد تكون أكثرها شيطانية، ووساوس لا تمت إلى الإيمان والثبات بصلة، وإنما هي من الشيطان.

أيها الناس،،،
جاء في قصة الساحر وقصة ذلك الراهب أن ذلك الغلام حين جمع الناس في ذلك الموضع أمر أن يجمع الناس وقال : فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارم فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ; فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه موضع السهم فمات فقال الناس آمنا برب الغلام ; آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس. ا.ه.

فاشتد جزعه ولشدة الجزع ومن شدة ما حصل له من الروع، جعل يحفر الخنادق ويأمر بحفر الخنادق ويأمر بالناس فتحرق.
((قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) )) سورة البروج.

كل هذا للخوف وللجزع الذي حصل له، لأنه يتوقع ويتصور أنه إذا كان ثلاثة فعلوا هذه الأفعال في الأمة، ثلاثة أشخاص، فإذن هؤلاء إذا كانوا كلهم، ماذا سيبقى من ملكي، ماذا سيحصل لي، وكان تفكيره هذا يؤدي إلى جزعه فأمرهم بهم فأحرقوا فكان الدافع على ذلك هو شدة الجزع.

على المؤمن أن يكون وثوقاً بربه سبحانه وتعالى متوكلاً عليه، معتمداً عليه في سرائه وضرائه، وشدته ورخائه، وسائر أحواله ونجواه، هذا الذي هو شأن المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((عجبا لأمر المؤمن كله خير..))[رواه مسلم].

وقال الله عز وجل: ((مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [سورة التغابن:11].

دافع على عدم الإيمان بالقدر، دافع على الضعف الإيمان، دافع أيضاً كذلك على عدم الثقة، مذام كثيرة تتضمنها هذه الصفة، صفة الجزع، على عدم الثبات، على سوء الكرم، على سوء التوكل على الله، على كثرة التحزن وأيضاً كذلك الإستراحة النفسية.
((إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) [سورة المجادلة:10].


****والحمدلله رب العالمين****



قام بالتفريغ: أبو عمر شريف الشعبي اللحجي
غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين
من شبكة سبل السلام السلفية