قال الله تعالى { إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }


الشَّرْحُ
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى -:
قال المؤلف رحمه الله باب الأمر بأداء الأمانة الأمانة تطلق على معان متعددة منها ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها فإنها أمانة ائتمن الله عليها العباد ومنها الأمانة المالية وهي الودائع التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان لمصلحته أو مصلحته ومصلحة مالكها وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان إما أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة من هي بيده أو لمصلحتها جميعا فأما الأول فالوديعة الوديعة تجعلها عند شخص تقول مثلا هذه ساعتي عندك احفظها لي أو هذه دراهم احفظها لي وما أشبه ذلك فهذه وديعة المودع فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية يعطيك شخص شيئا يعيرك إياه من إناء أو فراش أو ساعة أو سيارة فهذه بقيت في يدك لمصلحتك وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده فالعين المستأجرة فهذه مصلحتها للجميع استأجرت مني سيارة وأخذتها فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك وأنا أنتفع بالأجرة وكذلك البيت والدكان وما أشبه ذلك كل هذه من الأمانات ومن الأمانة أيضا أمانة الولاية وهي أعظمها مسئولية الولاية العامة والولايات الخاصة فالسلطان مثلا الرئيس الأعلى في الدولة أمين على الأمة كلها على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية على أموالها التي تكون في بيت المال لا يبذرها ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك وهناك أمانات أخرى دونها كأمانة الوزير مثلا في وزارته وأمانة الأمير في منطقته وأمانة القاضي في عمله وأمانة الإنسان في أهله المهم أن الأمانة بابا واسع جدا وأصلها أمران أمانة في حقوق الله وهي أمانة العبد في عبادات الله عز وجل وأمانة في حقوق البشر وهي كثيرة جدا وقد أشرنا إلى شيء منها وكلها يؤمر الإنسان بأدائها إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا تأمل هذه الصيغة إن الله يأمركم صيغة قوة وسلطان لم يقل أدوا الأمانة ولم يقل إني آمركم ولكن قال إن الله يأمركم يأمركم بألوهيته العظيمة يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فأقام الخطاب مقام الغائب تعظيما له لهذا المقام ولهذا الأمر وهذا كقول السلطان ولله المثل الأعلى إن الأمير يأمركم إن الملك يأمركم فهذا أبلغ وأقوى من قوله إني آمركم كما قال ذلك علماء البلاغة أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها من لازم الأمر بأداء الأمانة إلى أهلها الأمر بحفظها لأنه لا يمكن أداؤها إلى أهلها إلا بحفظها وحفظها ألا يتعدى فيها ولا يفرط بل يحفظها حفظا تاما ليس فيه تعد ولا تفريط حتى يوديها إلى أهلها وأداء الأمانة من علامات الإيمان فكلما وجدت الإنسان أمينا فيما يؤتمن عليه مؤديا له على الوجه الأكمل فاعلم أنه قوي الإيمان وكلما وجدته خائنا فاعلم أنه ضعيف الإيمان ومن الأمانات ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يجب أن يطلع عليها أحد فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها فلو استأمنت على حديث حدثك به وقال لك هذا أمانة فإنه لا يحل لك أن تخبر به أحد من الناس ولو كان أقرب الناس إليك سواء أوصاك بأن لا تخبر به أحدا أو علم من قرائن الأحوال أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ولهذا قال العلماء إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمانة لماذا ؟ لأن كونه يلتفت فإنه يخشى بذلك أن يسمع أحد إذن فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد فإذا ائتمنك الإنسان على حديث فإنه لا يجوز لك أن تفشيه ومن ذلك أيضا ما يكون بين الرجل وبين زوجته من الأشياء الخاصة فإن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يروح ينشر سرها ويتحدث بما جرى بينهما فلا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته وكثير من الشباب السفهاء يتفكهون في المجالس بذكر تلك الخصوصيات يقول الواحد منهم فعلت بامرأتي كذا وكذا من الأمور التي لا تحب هي أن يطلع عليها أحد وكذلك كل إنسان عاقل له ذوق سليم لا يحب أن يطلع أحد على ما جرى بينه وبين زوجته إذن علينا أن نحافظ على الأمانات وأول شيء أن نحافظ على الأمانات التي بيننا وبين ربنا لأن حق ربنا أعظم الحقوق علينا ثم بعد ذلك ما يكون من حقوق الخلق الأقرب فالأقرب والله الموفق.