بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}
[سورة المنافقون آية: 4]

لكنهم عن الحق معرضون، ولأهله معادون مبغضون، ولأعداء الله محبون موالون.
والحقيقة أن من خالف أمر القرآن ونهيه، لم يؤمن به، شاء أم أبى، ومن لم يتبع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لم يصدقه، شاء أم أبى، لا تقبل دعوى بلا حقيقة، ولا قول بلا عمل.
والمصيبة العظيمة أن حرمات الله قد انتهكت، والفسوق قد انتشر بين المسلمين، ويحاول إخوان الشياطين: أن يقضوا على بقية الدين، ولا أحد ينكر أو يغار، أو يحزن لما يرى ويسمع من الأشرار، وينتحب على موت السنن وظهور البدع؛ ولا شك أن هذا علامة موت القلوب.


رحم الله ابن عقيل حيث يقول في زمانه:
من عجيب ما نقدت من أحوال الناس، كثرة ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق، وذم الزمن وأهله، وذكر نكد العيش فيه.

وقد رأوا من انهدام الإسلام، وتشعب الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتقضي الأعمار في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي.

فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على ما فرط من عمره، ولا أسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببا إلا قلة مبالاتهم بالأديان، وعظم الدنيا في عيونهم، ضد ما كان عليه السلف الصالح، يرضون بالبلاغ من الدنيا، وينوحون على الدين، اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله:
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم عند ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، عمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربا فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكرا.

فجاءتهم دولة أخرى أقامت فيها البدع مكان السنن، والنفس مكان العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم، إلى أن قال رحمه الله:
اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة، والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش، وغلبة المنكرات والقبائح.

وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل، بتوبة نصوح، ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالجناب وقد علق
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [سورة الشعراء آية: 227].

وقال رحمه الله:
علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالوا للناس هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فهم في الصورة أدلَّاء، وفي الحقيقة قطاع طريق، اهـ.

فكيف لو رأى ابن القيم رحمه الله هذا الزمان، الذي انهدم فيه جانب الحق، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غالب الناس، واختلط الخبيث بالطيب، وظهر الفاسد، وتكلم بملء شدقيه بلا خفية، وسكت المحق، فإن تكلم، فبينه وبين نفسه، وانعكست الأمور، وتغيرت الأحوال، وكثر العلم وقل العمل، وتعلم العلم للدنيا.

واتصف غالب أهله بالعقائد الفاسدة، والأعمال الخبيثة: إلحاد، وزندقة، واستهزاء بالسنن وأهلها، وخلاعة، وفجور، وزنى، ولواط، وشرب مسكرات، وترك للصلوات، ومروق من الدين والآداب العربية بكل الكلمة، لا خوف من الله ولا حياء من خلقه.

همهم القيل والقال، والعكوف على آلات اللهو، والشهوات المحرمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والربا، وأنواع الحيل المحرمة، والتفاخر في المآكل والملابس، والمباهاة في البنيان والأثاث، وصار الحب للدنيا، والبغض لها، والموالاة فيها، والمعاداة عليها.

فهم كما قال كعب الأحبار: "والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل شرابين للقهوات "أي الخمور"، تراكين الصلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات 1، مفرطين في الغدوات، تاركين للجماعات".
ومن صفتهم: يقرؤون القرآن، وهم بين كافر به وفاجر يتأكل به; وفي حديث لأبي سعيد: "ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم" 2، وفي حديث آخر "وأما القرآن فيتعلمه المنافق فيجادل به المؤمنين" 3 كما هو الواقع، فهذه والله صفات غالب أهل زماننا هذا.

ورحم الله ابن القيم حيث قال: الزنادقة قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله؛ وهؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار.

المصدر:
الدرر السنية في الأجوبة النجدية (15/ 467- 468)


•---------------------------------•
1 هي: العشاء والفجر.
2 أحمد (3/38).
3 أحمد (4/155).