بسم الله الرحمن الرحيم


ليس الأمير ابن ابراهيم من أخرج الدكتور الهلالي من المدينة
الحلقة الثانية

سبق أن ذكرت في الحلقة الأولى سبب بداية الخلاف الذي حصل بين شيخنا العلامة أبي شكيب محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي - رحمه الله تعالى - وبين أمير المدينة عبد العزيز بن إبراهيم ،توضيحا عما صدر عن العلامة حماد الأنصاري - رحمه الله تعالى - . وانشر اليوم باختصار شديد نقلا عن الدكتور الهلالي تتمة الخلاف بين الأمير ابن إبراهيم والدكتور الهلالي من كتاب الدكتور الهلالي الذي ترجم فيه - رحمه الله تعالى - لنفسه " الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة " . فأقول وبالله التوفيق وعليه التكلان :
ثانيا : كان الدكتور الهلالي والشيخ محمد عبد الرزاق إذا سمعا بمنكر وقع وحصل في إزالة المنكر تقصير يذهبا إلى الأمير ابن إبراهيم وينصحانه فكان الأمير يتحمل ذلك على مضض ويشمئز ويقول في غيبتهما " هذان رجلان من المطاوعة يشتغلان بالدروس في المسجد فلماذا يتدخلان في شؤون الأمير وفي شؤون جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ثالثا : كانت المكاتبة بين الدكتور الهلالي والشيخ محمد عبد الرزاق والملك عبد العزيز - رحمه الله تعالى متواصلة وكانت تلك المكاتبات تصل عن طريق الأمير ابن إبراهيم قال الدكتور " فكان كلما جاءنا كتاب من الملك يصيبه المقيم المقعد، ويغضب ويقول : ما شأن هذين الرجلين ومكاتبة الملك أهما من الأمراء ؟ " . بل ان ابن إبراهيم كان يريد فتح الرسائل لمعرفة محتواها عن طريق الشيخ محمود شويل ، وكان الشيخ شويل يرفض ذلك .
ثالثا : طلب الدكتور الهلالي - رحمه الله تعالى - من الشيخ عبد الله بن حسن رئيس القضاة - تغمده الله برحمته - أن يخرج للبوادي والقرى للدعوة الى الله في بعض الأحيان ،فاستحسن شويل ذلك وكلم الأمير ابن إبراهيم فوعد أن يهيئ للدكتور راحلتين ورجلا يرافقه فلما طالبه الدكتور بالوفاء اقترح على الدكتور الهلالي أن يذهب للعوالي والجرف وهي قرى شيعية ولم يكن غرض الدكتور - رحمه الله تعالى - هذه القرى فهي لا تقبل الموعظة من واعظ سني ، ومع ذلك قبل الدكتور الهلالي اقتراح الأمير ولما ذهب لتلك القرى لم يجد أحدا منهم تأثر بدعوته إلا رجلا واحدا لعله كان سنيا . وكان الأمير كلما طلب منه الدكتور - رحمه الله تعالى - أن يلبي له طلبه ماطله الأمير حتى اتفق مع الأمير ماجد بن موقد أمير عوف القاطن في قرية النخيل السفر معه إلى النخيل حيث أهل السنة للدعوة في النخيل وكانت دعوة ناجحة جدا قال عنها الدكتور رحمه الله تعالى " وأشهد بالله أنني مامرت علي في حياتي كلها أيام صفا فيها قلبي وازداد إيماني وإقبالي على ذكر الله تعالى مثل تلك الأيام .... " .
فلما سمع ابن إبراهيم ذلك غضب غضبا شديدا ولعن الدكتور الهلالي ولعن قبيلة بني هلال كلها ، قال الدكتور " توهما منه إنني انتسب اليها وأنا إنما أنتسب إلى هلال الجد الحادي عشر من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - . ثم طلب الامير من الشيخ شويل أن يخبر الدكتور الهلالي إذا رجع ألا يمسك ورقة ولا يجلس في المسجد وأن يقول للشيخ محمد عبد الرزاق ألا يجعله نائبا عنه في الصلاة .
رابعا : استمر الأمر على تلك الحالة مدة سنتين فلما ضاق الامير بالدكتور الهلالي والشيخ محمد عبد الرزاق ذرعا ونفذ صبره استدعاهما إلى القصر وبعدما أخبرهما أنه لا يشك في صحة عقيدتهما وإنهما يريدان الخير ولكنهما تجاوزا الحد في الشدة . ثم قال لهما : " أنتما تسمعان كلام الملك في مجالسه العامة وتفهمان منه شيئا ونحن نسمع كلامه في المجالس الخاصة وفي الرسائل الخاصة ونفهم منه شيئا آخر .
إلا أن الدكتور الهلالي والشيخ محمد عبد الرزاق لم يصدقاه وعلما أنه يخدر أعصابهما بذلك الكلام الباطل كما قال الدكتور الهلالي واستمر هو والشيخ محمد عبد الرزاق على خطتهما ،فتهيأ الامير للانتقام ، كما قال الدكتور الهلالي .
قال الدكتور الهلالي - رحمه الله تعالى - " فأما الشيخ محمد عبد الرزاق فكاد له كيدا عظيما وكان - والحق يقال - أشد عنفا عليه مني وذلك أنه كتب الى الملك عبد العزيز - رحمه الله - يقول : ان محمد بن عبد الرزاق لا يطاق بقاؤه فقد كرهه سكان المدينة لغلظته وشدته وبلغ به التهور إلى أن وقف على المنبر وقال : لعنة الله عليكم ياأهل اأمدينة كلكم كفار . - قال الدكتور - وهذا بهتان عظيم فإني كنت جالسا عند المنبر استمع الخطبة التي زعم أنه قال ذلك فيها وكانت من خطب شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب ....فجاءت برقية من الملك تأمر الشيخ عبد الرزاق بالتوجه الى مكة ليكون واعظا في المسجد الحرام كما كان من قبل . " .
أما عن الدكتور فكتب إلى الملك عبد العزيز عنه إنه مشوش منفر وانه جرأ أهل النخيل على انتقاد ولاة الأمور .
قال الدكتور " وكان سبب غضبه علي أنه لم يريد أن أتصل بقبائل حرب لانهم كانوا يشتكون غلظته وظلمه في أخذ الزكاة وغيرها من الاحكام فظن أنني ذهبت لأعرف ما ينتقد عليه وأكشفه ، ويعلم الله أني كنت في واد وهو في واد وأن الوقت الذي قضيته عندهم كان كله في ذكر الله ومجالس العلم والوعظ والارشاد . "
بعدها كتب - برقية إلى الملك عبد العزيز تدعوه الى مكة فلم يأتي للدكتور شيئا ،ثم طلب من وكيل المالية الشيخ عبد العزيز الخريجي أن لا يدفع له راتبا . فلما حان وقت الحج سافر الدكتور مع الشيخ محمد عبد اللطيف إلى مكة ، وطلب النقل إلى التدريس في المسجد الحرام فأجابه إلى ذلك الشيخ عبد الله بن حسن وطيب خاطره بكلام حسن .
قلت : هذه هي قصة شيخنا الدكتور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي - رحمه الله تعالى - كما ذكرها بنفسه في كتابه " الدعوة الى الله في أقطار مختلفة " . حتى نرفع اللبس عن كل من يجهل دعوة الدكتور الهلالي على منهج الأنبياء والرسل ،وحتى نلقم حجرا كل من يتصيد في الماء العكر يترصد بالعلماء السلفيين للاساءة اليهم .
فشيخنا الامام ما كان يسكت عن قول الحق والدعوة إلى الله على منهج الأنبياء والرسل أمام من كان ؛ وما كان كذلك يتملق لأي كان ولا كان ذليلا أمام أي أحد همه الدعوة إلى الله تعالى على منهج السلف الصالح . وقد أرسل شهبه الهلالية على ابن إبراهيم في قصيدة اختزل فيها ما حصل له معه بهجائه على طريقته في دك أباطيل واراجيف المخالفين والمخذلين .
وأخيرا أقول مرة ثانية على ناقلي مثل هذه السطور المختصرة في ترجمة العلماء السلفيين أن يتبينوا حفاظا على عدالة أولئك العلماء وكرامة لجهدهم وجهادهم في نشر عقيدة التوحيد . وكما يرى القارئ كيف تولد عن سطر ونصف مما جاء في كلام شيخ شيخنا العلامة حماد الأنصاري بيانا في حلقتين .
رحم الله شيخنا الدكتور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي ، والعلامة الشيخ حماد الأنصاري وأجزل الله لهما الثواب وادخلنا ووالدينا واياهما الجنة بغير حساب .

أبو عبد الرحمن علي بن صالح الغربي
- غفر الله تعالى له ولوالديه-
رباط الفتح بعد عشاء 6 ذو القعدة 1438
30 يوليوز 2017