الصلاة في المقبرة


الصلاة في المقبرة منهي عنها, لحديث أبي سعيد أن الرسول قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» أخرجه الترمذي (317).
قال شيخ الإسلام: صححه الحفاظ ومن ضعفه لم يستوعب طرقه.اهـ
وصححه العلامة الألباني والعلامة الوادعي.
وحديث جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى
قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك»أخرجه البخاري ومسلم .

العلة في النهي النجاسة أم التعظيم

ليست العلة في تحريم الصلاة في المقبرة النجاسة كما عبربذلك بعض الفقهاء وإنماالعلة التعظيم.
قال شيخ الإسلام: قد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة فى المقبرة نهي عنها من أجل النجاسة لاختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومهم,
وهؤلاءقد يفرقون بين المقبرة الجديدة والقديمة, وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون,والتعليل بهذا ليس مذكورا فى الحديث, ولم يدل عليه
الحديث لا نصا ولا ظاهرا, وإنماهى علة ظنوها, والعلة الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف فى زمن مالك,
والشافعى, وأحمد, وغيرهم؛ إنما هو ما فى ذلك من التشبة بالمشركين, وأن تصير ذريعة إلى الشرك, ولهذا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء
مساجد,
وقال: «إن أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير».
وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذواالقبور مساجد», ونهى عن الصلاة إليها, ومعلوم أن النهى لو لم يكن إلا لأجل
النجاسة؛فمقابر الأنبياء لاتنتن بل الأنبياء لا يبلون, وتراب قبورهم طاهر، والنجاسة أمام المصلى لا تبطل صلاته, والذين كانوا يتخذون القبور
مساجد كانوا يفرشون عند القبورالمفارش الطاهرة فلا يلاقون النجاسة, ومع أن الذين يعللون بالنجاسة لا ينفون هذه العلة, بل قد ذكر الشافعى
وغيره النهى عن إتخاذ المساجد على القبور, وعلل ذلكبخشية التشبه بذلك.
وقد نص على النهى عن بناء المساجد على القبورغير واحد من علماء المذاهب من أصحاب مالك, والشافعى, وأحمد, ومن فقهاء الكوفة
أيضا,وصرح غير واحد منهم بتحريم ذلك, وهذا لا ريب فيه بعد لعن النبى ومبالغته فى النهى عن ذلك.
وإتخاذها مساجد يتناول شيئين:
-أن يبنى عليها مسجدا.
_أو يصلى عندها من غير بناء, وهو الذى خافه هو,وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا. خافوا أن يصلى عنده فيتخذ قبره مسجدا.اهـ
«شرح العمدة»، و «الفتاوىالكبرى» (5/326)،


هل يشمل الجديدة والقديمة والتي لم يوجد فيها إلا قبر

النهي المذكور في الأحاديث المتقدمة عام يتناولكل ماوقع عليه اسم مقبرة, فلا فرق بين الجديدة والقديمة, وما تقلبت أتربتها أولم تتقلب لتناول
الاسم لها, وسواء قلّت القبور فيها أوكثرت.
قال شيخ الاسلام: أما إن كان في موضعٍٍٍٍ قبر وقبران, فقال أبو محمد لا يمنع من الصلاة هناك؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة, وإنما المقبرة
ثلاثة قبور فصاعدا, و ليس في كلام أحمد و عامة أصحابه هذا الفرق, لابعموم كلامهم و تعليلهم و استدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر من
القبور, و هذا هوالصواب؛ فإن قوله صلى الله عليه و سلم لا تتخذوا القبور مساجد أي لا تتخذوها موضع سجود فمن صلى عند شيء من القبور
فقد اتخذ ذلك القبر مسجدا إذ المسجد في هذا البابالمراد به موضع السجود مطلقا لا سيما و مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفرادعلى الأفراد
فيكون المقصود لا يتخذ قبر من القبور مسجدا من المساجد, و لأنه لواتخذ قبر نبي أو قبر رجل صالح مسجدا لكان حراما بالاتفاق كما نهى عنه
صلى الله عليه و سلم, فعلم أن العدد لا أثر له, و كذلك قصده للصلاة فيه و إن كان أغلظ, لكن هذا الباب سوى في النهي فيه بين القاصد و غير
القاصد سدا للباب الفساد, و لأنه قدتقدم عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا تصل في حمام و لا عند قبر».
قال أصحابنا و كل ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلى فيه فعلى هذا ينبغي أن يكون المنع متناولاً لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف إليه.اهـ
«شرح العمدة» ()، «الفتاوى الكبرى» (5/326)، «المغني» (2/468)،«المجموع» (3 /115)، المحلى (493)، «السبل» (1/192)


إذا أعدت للدفن ولم يدفن فيها

قال العلامة العثيمين: وهل المراد بالمقبرة هنا ما أُعِدَّ للقبر، وإن لم يدفن فيه أحد، أم ما دُفِنَ فيه أحد بالفعل؟
الجواب: المراد ما دُفِنَ فيه أحد، أمَّا لو كانهناك أرض اشتُريت؛ لتكون مقبرة، ولكن لم يُدْفَنْ فيها أحد، فإن الصَّلاة فيهاتصحُّ، فإن دُفِنَ فيها أحد،
فإن الصَّلاة لا تصحُّ فيها؛ لأنها كلّها تُسمَّىمقبرة.اهـ «الشرح الممتع» (1/388)


الصلاة في المقبرة صحيحة أم باطلة تلزمه إعادتها

قال ابن رجب: فقد اختلف في الصلاة في المقبرة:هل تجب إعادتها، أم لا ؟
وأكثرالعلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في روايةعنه.
والمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه: أن عليه الإعادة؛ لارتكاب النهي في الصلاة فيها.
وهوقول أهل الظاهر - أو بعضهم -، وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص بالصلاة من جهةمكانها، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها
كالصلاة في أوقات النهي،وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين. حتى أن من أصحابنا من قال: متى قلنا: النهي عن الصلاة
في المقبرة والأعطان ونحوها للتحريم، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف عن أحمد، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على
القول بأنه مكروه كراهة تنزيه.
وأكثرالعلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه، ومنهم من رخص فيه.
قال ابن المنذر: اختلفوا في الصلاة في المقبرة، فروينا عن علي وابن عباس وعبدالله بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها.
واختلف عن مالك فيه، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال: لا باس به، وحكى أبو مصعب عنه أنه قال: لا أحب ذلك.
قال ابن المنذر: ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلا بالثابت عن النبي - صلىالله عليه وسلم -، أنه قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم،
ولا تتخذوها قبورا»، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة.
قلت:قد استدل البخاري بذلك - أيضا - وعقد له بابا مفردا، وسيأتي في موضعه - إن شاءالله تعالى.
قال ابن المنذر: وقد قال نافع مولى ابن عمر: صليت على عائشة وأم سلمه وسط البقيع،والإمام يومئذ أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر.
قلت:صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره، وقد سبق قول أحمد في ذلك. وقالأيضاً -: لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا
الجنائز؛ لأن الجنائز هذه سنتها. يشيرإلى فعل الصحابة - رضي الله عنهم -.
قال ابن المنذر: وروينا أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة، غير أنه لا يستتر بقبر.
قلت:لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور، فكان يخص النهي بحالة استقبال القبر خاصة.
قال ابن المنذر: وصلى الحسن البصري قي المقابر.
قلت:لعله صلى على جنازة، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر. قال:وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى
المقابر. انتهى ما ذكره.اهـ
وقال الشيخ محمد ابن إبراهيم: لا يمنع صحة الصلاة إِذا لم تكن المقبرة إِلى القبلة،فإِن كانت المقبرة إِلى قبلة المصلين وكانت قريبة عرفًا وليس
بينهم وبينها حائل،أَو كان هناك اعتقادًا خاصًا في الصلاة حول هذه القبور فإِن هذا مما ينهى عنه ولاتصح الصلاة في مثل هذه الحالة. كما لا تصح
الصلاة في المقبرة، ولا يكفي جدارالمقبرة، ولا جدار المسجد بل لا بد من حائل ساتر منفصل.اهـ
وقال العلامة العثيمين: فإذا قال قائل: ماالدَّليل على عدم صحَّة الصَّلاة في المقبرة؟ قلنا: الدليل:
أولاً:قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحَمَّام»,وهذا استثناء، والاستثناء معيار العموم.
ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعنالله اليهودَ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مَسَاجدَ» والمساجد هنا قدتكون أعمَّ من البناء؛ لأنه قد يُراد
به المكان الذي يُبنى، وقد يُراد به المكان الذي يُتَّخذ مسجداً وإنْ لم يُبْنَ؛ لأنَّ المساجد جمع مَسْجِد، والمسْجِد مكان السُّجود، فيكون هذا أعمَّ من
البناء.
ثالثاً:تعليل؛ وهو أنَّ الصَّلاة في المقبرة قد تُتَّخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبُّه بمن يعبدُ القُبور.اهـ
«الفتح»لابن رجب (327)و«شرح البخاري» لابن بطال(432)و«الشرح الممتع»(1/399-400)




ما يستثنى منالنهي عن الصلاة في المقبرة


ويستثنى من النهي عن الصلاة في المقبرة, صلاةالجنازة فإن كانت الصلاة على القبر فلا شك في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه فقد المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها فقالو ماتت فقال أفلا آذنتموني دلوني على قبرها فدلوه فصلى على القبر.
وأما قبل دفنها فيؤتى بها إلى المقبرة للصلاةعليها, قياسا على ذلك, فلا فرق بين أن يصلي على جنازة مدفونه أوغير مدفونه؛ لأن العلة واحدة.
قال العلامة العثيمين: وربما يقال الصلاة على الميت لاتدخل في النهي أصلا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «الأرض كلها مسجد» أي مكانا للصلاةذات سجود
وركوع, وصلاة الجنازة لاركوع فيها.اهـ الشرح الممتع» (1/390-39)


الصلاة إلى القبر

الصلاةإلى القبرة أوالقبور محرمة لحديث أبى مرثد الغنوى قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ».
قال الصنعاني: فيه دليل على النهي عن الصلاة إلىالقبر, والظاهر أنه مايعد مستقبلاً له عرفاً.اهـ
قال ابن حزم: ومن زعم أنه عليه الصلاة والسلام أراد قبور المشركين فقد كذب على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عم في النهي جميع القبور
ثم أكد بذمه من فعل ذلك في قبورالأنبياء, والصالحين, ثم قال: وهذه أثار متواترة توجب ما ذكرناه حرفا حرفا,ولا يسع أحدا تركها, وبه يقول
طوائف من السلف.اهـ
«الفتاوى الكبرى» (5/326)، «المغني» (2/468)، «المجموع»(3/115)،المحلى(493)، «السبل


هل يشترط وجود الحائل بين جدار قبلة المسجد والقبور

قال شيخ الإسلام: وذكر الآمدي وغيره؛ أنه لاتجوز الصلاة في المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بينهما حائل آخر من حائط بين المقبرة
والحائط, وذكرهذاأنه منصوص عن أحمد.اهـ
قلت:وبه أفتى العلامة محمد بن إبراهيم كما تقدم نقله.
الفتاوى الكبرى - (5 / 326)


المسجدالمبني على قبر

وقال شيخ الإسلام: وأما المساجد المبنية على القبور؛ فقد نهوا عنه معللين بخوف الفتنةبتعظيم المخلوق كما ذكر ذلك الشافعى وغيره من سائر
أئمة المسلمين.
وقد نهى النبى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعندغروبها, وعند وجودها فى كبد السماء, وقال إنه حينئذ يسجد لها الكفار؛ فنهى عن ذلك لما فيه
من المشابهة لهم, وإن لم يقصد المصلى السجود إلا للواحد المعبود, فكيف بالصلاة فى المساجد التى بنيت لتعظيم القبور.اهـ
«الفتاوىالكبرى» (5/326)، «المغني» (2/468)، «المجموع» (3/115)، المحلى (493)، «السبل