بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة للشيخ العلامة
يحيى بن علي الحجوري
حفظه الله تعالى


بعنـــــــــــــوان:

الطغيان سبب هلاك الأمم
وكانت في يوم
13 ذي الحجة لعام 1434 هـ

للإستماع لها من موقع الشيخ حفظه الله تعالى:

من هنـــا

ومن المكنز العلمي لشبكة سبل السلام السلفية:

من هنــــا



تفريغ الخطبة:

الخطبة الأولى:


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران:102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }[سورة الأحزاب].

أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس،،،
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم : ((فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113) )) [سورة هود].

هذه الآية الكريمة أبان الله عز وجل فيها وجوب الإستقامة على أمر الله عز وجل، آمراً نبيه بذلك، وآمراً سائر المسلمين الذين تابوا إلى الله عز وجل من الشرك إلى الإسلام. وفيها بيان أن ما خالف الإستقامة وجانبها، وأبعد عنها فهو من الطغيان. ومجاوزة الحد. فدين الله هو الإستقامة على شرعه وأمره، وما عداه طغيان ومجاوزة لحده ((وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...)) [سورة الطلاق:1].

إذا عُلِمَ ذلك فاعلم أيها المسلم أن الطغيان هو مجاوزة الحق في أي شأن كان لا سيما من شؤون دين الله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل عن المنافقين، ((وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) )) [سورة البقرة].

فأبان الله أن ذبذبة المنافقين وتأرجحهم بين أهل الحق والباطل وبين الحق والباطل، أن ذلك من الطغيان ومجاوزة الحد، وعدم الإستقامة على شرع الله، وعدم الإستقامة على أمره عز وجل، وهكذا ثبت عند أبي جعفر بن أبي جرير من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه كانت في الجاهلية المرأة إذا كانت مقلاةً كلما ولد له ولد يموت تنذر على نفسه أنها إذا ولد لها ولد فعاش تجعله يهودياً، وهذا في حد نظرهم آن ذاك إنها تنذره للعمل الصالح لأنهم كانوا يرون أن اليهود أحسن حالاً منهم في حال شركهم، يرون أن اليهود على كتاب على ملة، وأن المشركين أصحاب أوثان، فلهذا تنذر أنها تجعله يهودياً.

فلما أتى الله بالإسلام وكان أناس من أبناء الأنصار قد صاروا لذلك النذر قد هودتهم أمهاتهم أي جعلتهم مع اليهود، وأرادوا الخروج مع من أجلوا من اليهود، أولئك أبناء الأنصار، فأراد آباؤهم أن يردوهم فأنزل الله عز وجل : ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) )) [سورة البقرة].

أي أن هؤلاء إذا ذهبوا بعد أن استبان لهم الحق وتركوا العروة الوثقى والإسلام فإنهم رضوا لأنفسهم بالذل ورضوا لأنفسهم بالهلكة، ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..))، هذا هو سبب نزول الآية لا على أنه كما يفهم بعض الناس أنه لا يدعى أهل الباطل إلى الحق ولا يؤمرون به ولا يجرون إليه.

والشاهد من هذا : ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ..))، فمن لم يجانب الطغيان والطاغوت، من لم يجانب ذلك ناله في دينه وفي توحيده بقدر ما تورط فيه من الطغيان، ولا يتم لمسلم إيمانه وتوحيده إلا بمجانبة ذلك، مجانبة الطغاة وأفعال الطغاة والبعد عن الطغيان.

أيها الناس،،،
إن الطغاة وإن الطغيان ليحمل صاحبه على الإعراض عن الأدلة وإبائها ولا تزيدهم الأدلة إلا طغياناً وبعداً عن الله وكلما ذكروا لا يذكرون كما قال عز وجل ويقابلون ذلك بالمكر السيء، ((وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)) [سورة فاطر:44].

أبان الله ذلك بقوله : ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا..)) [سورة المائدة:64].

تأمل هذه الآية ((وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا..)) كلما نزلت آية ونزل قرآن ونزل حق ازدادوا من الله بعداً وقابلوا ذلك بالعتو والغفلة والإعراض فازدادوا بعداً من الله عز وجل. وهذا قول الله تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) )) [سورة الإسراء].

كلما خوفوا وذكروا هذا شأن الطغاة، شأن الطغاة كلما إذا ذكروا لا يذكرون بل يزدادون بالتذكير بعداً عن الله سبحانه وتعالى.

ونظير ذلك : ((وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125) )) [سورة التوبة].

ومعنى ذلك أن الأدلة تذكر له، أدلة ربه حجج الله عز وجل الذي خلقه وصوره فأحسن صوره.

((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) )) [سورة الإنفطار].

ومع هذا كله يقابل ذلك بالإعراض وبالشبهات وبالطغيان ومجاوزة الحد والبعد والإباء وعدم الإستقامة على شرع الله وأمره، وعدم القبول للهدى، فلا يزداد إلا شراً ولا يزداد إلا عتواً، ولا يزداد الناس منه إلا ضراً.

هذا شأن الطغاة فيما أبان الله عز وجل في كتابه وعلى مر تأريخ الأمة.

هذا شأنهم..

قد يقول قائل ما سبب الطغيان؟ ايش سبب هذا الطغيان في الأمة؟ ما الذي يجلب الطغيان للناس؟ جوانب الطغيان كثيرة، ومن ذلك عدم الإمتثال للأدلة فكلما جاءت آية حديث برهان، لا يستقيم له العبد جره ذلك إلى مجاوزة الحد وإلى الطغيان الذي أعظم أسباب هلاك الأمم.

أعظم أسباب هلاك الأمم.. مجاوزة الحد. بالشرك ودونه.

وبرهان ذلك قوله عز وجل : ((وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) )) [سورة الأنعام].

تأمل ((وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..))

فإذا جاءك الحق أيها المسلم بادر إليه وكن من أول من يحضى به، ويشرف به، ويكون عزيزاً به، حتى يوفقك الله سبحانه وتعالى، وحتى لا يجرك إعراضك إلى الطغيان المهلك.

قال الله : ((وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ..)) هكذا وصفهم أنهم يحلفون ويقسمون ((..أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) )).

هذا شأن من لم يأخذ الأدلة، أنتم ترون الآن دعاة الفيديرالية بعيونكم وتسمعون بآذانكم، هكذا تطرح الأدلة، من كتاب ربهم وسنة نبيهم ومع ذلك يقابلونها بكثير من التعامي، من التعامي. ويسلطون على الدعاة إلى الله ويسلطون على المؤمنين مَن يقتلهم.

من أهل الرفض والزيغ، ومن أهل الفكر الماسوني، سواء عرفوا ذلك أو جهلوه، لأن ذلك قد يكون دفعاً لهم عن معرفة أو جهل. نعم ، من أين جاء هذا؟

إنه من عدم الإذعان للحق، ومقابلة الأدلة بالمعارضة والمواجهة والمقاتلة والمفاتنة والتقطيع وغير ذلك مما يوجب البلاء على الأمة.

إذا كانت هذه هي الدعوة إلى الدولة المدنية من أول نشئها ومن أساس مهدها، إذا كان هذه هي الدولة المدنية التي يدعو إليها أصحابها على ما ترون وتسمعون من القتل والقتال وسفك دماء الأبرياء وإزهاق الأرواح وتقطيع الطرق وتسليط المجرمين على المسلمين والله لا يقبلها حمار.

والله لا يقبلها حمار، ولا يرضاها إنسان له مروءة وشرف، نعم طغيان مهلك. طغيان مهلك على الأمة ونسأل الله العافية.

الطغيان أيها الناس أهلك أمماً ودمرهم الله سبحانه وتعالى: ((فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) )) [سورة العنكبوت].

إنما أهلكهم الله بطغيانهم : ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) )) [سورة الفجر].

الله غيور على دينه، الله غيور على عباده وعباده، ((فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)) تسليط المجرمين على المسلمين طغيان، طغيان أهلك به أمماً ماضية، قال الله سبحانه وتعالى : ((وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) )) [سورة النجم].

قال الله سبحانه وتعالى : ((وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7))) نفسك أيها الطاغي وسائر الأنفس
((.. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) )) [سورة الشمس].

ما الذي جر كل هذه الأقسام التي أقسم الله بها ومنها تسوية الأنفس على أن ثمود إنما كذبت رسولها وعقرت ناقتها وغيرت نعمتها، كل ذلك بسبب الطغيان، ومجاوزة الحد، ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (17) )) [سورة الرعد].

أيتها الأمة احذري الطغيان، احذري مجاوزة الحد، فإن الله لا يرضى بذلك، وإن الله قد أهلك فرعون بسببه، قال الله يقول لموسى وأخيه هارون : ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ..)) [سورة طه].

بسبب طغيانه قتلهم وعذبهم واستحيى نساءهم وقتل أبناءهم، ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ ...)) الطاغية! ((..وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) )) [سورة القصص].

وفعلاً أراهم الله عز وجل ما كانوا يحذرون، ((وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)) [سورة الأعراف:137].

هذه عواقب الطغيان، قال الله سبحانه وتعالى : ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) )) [سورة النازعات].

هذه سنن الله عز وجل في الطغاة، في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) )) [سورة النازعات].

غالباً أن الطغيان يجره حب الدنيا، وإيثارها والتعالي فيها، فيقسم الله ظهر صاحب ذلك الطغيان عاجلاً غير آجل.

قال الله : ((فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) )) [سورة النازعات].

هي المأوى، مأواه مقره، ((هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) )) هكذا قال الله ((.. هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا )) أي جررتم علينا هذا الطغيان ((.. فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) )) [سورة ص].


هكذا يتخاصم الطغاة في عذاب الله عز وجل وفي مقرهم وفي مأواهم.

أيها المسلمون،،،
أيتها الأمة احذروا الطغيان فإن الله عز وجل ما أهلك الأمم إلا به، دولة وشعوباً، هكذا من زمن ماضٍ وزمن حاضر ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ...)) [سورة الأنفال:53].





الخطبة الثانية:



الحمدلله الذي أنزل كتابه وهداه، الحمدلله، الذي نصر عباده وخلقه المؤمنين ومصطفاه، الحمدلله، الذي يبغض الظلم ويأباه، الحمدلله على كل حال، ونعوذ به من أحوال أهل الضلال.

أما بعد،،،
فاعلم أيها المتمالئ والمقاضي الأغراض، اعلم أيها المنافق والممالئ الطغيان، اعلم أن الله ليس بغافل.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ((فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) )) [سورة الأنعام].

التخاذل عن نصرة الحق والتخاذل عن نصرة الإيمان والمؤمنين ضرر على الأمة، لا قدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها، والله سبحانه وتعالى يقول: ((فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) )) [سورة المائدة].

فعاقبهم الله عز وجل بسبب ذلك عقوبات كبيرة : ((وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) )) [سورة يونس].

فكل من أعرض عن الشرع والحق وآذى عباد الله وتجاوز حده وطغى وبغى، ربما أملى له الله عز وجل ثم يقسمه.

قال الله : ((وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ )) [سورة الأعراف:183].

وقال الله سبحانه وتعالى : ((وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) )) [سورة هود].

انتظروا هلكة الطغاة فإن الله أغير على دينه من خلقه، انتظروا هلكة الطغاة فإن الله أغير على المؤمنين من نفسه، ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه...)) [رواه البخاري].

إن الطغاة قد قابلوا أنبياء الله بالإباء، بالإعراض، بالمجادلة، بالفتن، كما قال الله : ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) )) [سورة الذاريات].

هكذا قابلوا أنبياء الله، فما بالك بمن دونهم؟ العلماء لا قيمة لها في دعوة الطغاة، العلماء لا قيمة لدعوتهم ولا منزلة لهم عند الطغاة، الدعاة إلى الله ، حفاظ القرآن، حفاظ السنة، كل من يمت إلى دين الله بصلة، ليس له منزلة ولا قيمة بل حقه أن يهدر وأن يكسر وأن يمسح من الساحة. هكذا عند من لم يقيم لدين الله وزناً، ولا يعرف لحق الله شرعاً، هذا شأن الطغاة، هذه دعوة الطغاة، سواء كان الرافضة أو من يؤزهم أو يدفع بهم، هذه دعوة طاغوتية لن يرضاها الله سبحانه وتعالى. نتواصى بتقوى الله ونسأله سبحانه وتعالى أن يكفينا شر الطغاة، ودعوتهم وفتنتهم إنه على ذلك قدير.

***والحمدلله رب العالمين***




قام بالتفريغ: أبو عمر شريف الشعبي
غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين
من شبكة سبل السلام السلفية